فنحن نخاف أن نعيش اللحظات السعيدة بكل حواسنا وننغمس فيها لعلمنا بأن السعادة لا تدوم ولا نريد أن نعتاد عليها فيكون وقع الحزن أقوى مما كان، هذا ماخطر ببالي وأنا في مزاج منتشي أرقص على أنغام الموسيقى، لحظات السعادة تلك التي نحصل فيها على موقف لطالما تمنينا حدوثه، لحظات السعادة هي مزاج جيد حصلنا عليه في يوم مشمس وجو هادئ، في رحلة جميلة لا تتكرر في عقد عمل حلمت بأن تقوم به بمكافأة قيمة طمحت لها، كل تلك اللحظات تحدث لنا ك هبة من القدر يضعها في طريقنا صدفة لعلمه مدى رغبتنا بها.
السعادة هي فكرة، كم كنت خاطئة حين ظننت أن السعادة شعور، الشعور الآني المريح هو النتيجة لفكرة السعادة، أما السعادة التي نطاردها طيلة أعمارنا هي فكرة، مفهوم نلاحقه طيلة عمرنا لنعيشه، كأن يتعكر مزاجك وبشدة لكنك تفكر بأنك سعيد ولا علاقة للشعور بالفكرة ،فبالرغم من أنه لم تثبت ولا حالة في التاريخ أن الشعور المريح يدوم مهما كانت الأجواء المسخرة له ثابتة ومستقرة، ، الا انه لا أحد مننا ينفك يبحث عن صنع أجواء تجعله سعيدا لبقية حياته، علما بأنه يبقى يطارد هذا الحلم أغلب سنين عمره، لست أدري لماذا لا ننفك نبحث عن مسببات السعادة، وحين نصل إليها نخشى أن نعيشها تحسباً من فقدانها يوما ما، الظن كل الظن أن الإعلام الذي تشبعنا به سرق منا السعادة الفكرة التي في أذهاننا ووضع بدلا عنها شعور يحدث حين توفر مسببات معينة، حدد معايرها الصانع الأكبر للإعلام. أتذكر أنني حين كنت صغيرة كنت أشاهد اعلانات عن منتجات معينة الحليب منها والحبنة وغيرها وربما حتى مناديل، وتأتي صورة العائلة التي تستعمل هذا المنتج مبتسمة تجري وتضحك في واحات خضرا واسعة، تلك الصورة النمطية عن الجنة في أذهاننا نتيجة تعبئة ما، ثم اتذكر أنني كنت في كل مرة أقول أنا وأختي كلما شاهدنا الإعلان، ياسلااام نفسنا نعيش كذا في سعادة، كانت أمي تضحك علينا، ظنت والدتي أنه حين كبرنا أن ذاك الحلم انتهى لأننا صرنا أنضج، لم تكن تعلم أن تلك الصورة تخزنت في عقلنا اللا واعي وصارت هدف خفي (سعادة) نبحث عنها ونعمل لأجلها، وغيرها من الصور الكثيرة التي غرست في عقولنا من الأفلام والمسلسلات والإعلانات التجارية، كل تلك الأشياء قتلت فكرة السعادة الفكرة الحقيقية لها، فكرة أن السعادة هي الشعور بالسلام والرضى، السعادة كما قال أنيس منصور في كتاباته هي أن تعيش اللحظة، أما النجاح و التفوق والعمل والمال كل تلك الأشياء هي أسلوب حياة وليست سعادة، أن تعيش تفاصيل تلك الأشياء هي السعادة وليس الحصول عليها، وأنت في طريقك لتحقيق ذاتك فكر بالسعادة، وأنت تحقق ذاتك فكر بالسعادة، وأنت تعمل لأجل مطلب ما فكر بالسعادة، وأنت تحصل على ذلك المطلب فكر بالسعادة، ضع السعادة مبدأ فكرة كما قلت لك، لا شعور. فنحن كلما دربنا أنفسنا على أن نحمل السعادة كمبدأ لا نفني أعمارنا في مطاردة ذلك الشعور الذي من المستحيل أن تحصل عليه بطريقة دائمة، فكر أن الألم سعادة فمبدأ الألم يأتي بسبب ما ويذهب لسبب ما وكل ذلك سيعلمك، والتعليم سعادة. قد ربما يرى البعض أن الكلام عن التفكير والسلام الداخلي بيع كلام – لا سامح من شوه سمعة هذه المصطلحات – لكني لا أكتب عنها كبيع للوهم إنما هي فلسفة تراكمت في كلمات جراء تساؤل من تساؤلات كثيرة تطرأ علينا كلما باغتنا هدوء الحياة وصمت ضجيج العالم من حولنا. وكما أقول دائما تسائلوا فإن في السؤال حياة.
تعليقات
إرسال تعليق