ماذا لو كنا فهمنا مجتمعاتنا!


ماذا يحدث حين يفهم الفرد خصائص المجتمع الذي يعيش فيه؟ يتشكل وعي كبير لدى المجتمع بتقبل الآخر وتحقيق التعايش بين الأفراد والأكثر من ذلك ينشئ لدى الأفراد حالة الاعتزاز بالمجتمع وتأصيل الانتماء، وحين يشعر المجتمع بالانتماء لمجتمعه يحاول دائماً أن يشغل نفسه بتطوير مجتمعه وبيئته وبالطبع الدفاع عن مفاهيم وقيم هذا المجتمع الذي هو جزء منه.
وكذلك يحدث العكس تماماً حين ينشئ الفرد غير مدرك أن هناك خصائص معينة لمجتمعه وكيف نشأت ولماذا نشأت وما الذي يجعلها ملائمة أكثر من غيرها لمجتمعه تحديداً، يشعر أنه يسير وفق منظومة غير مفهومة منظومة هو مجبر عليها لا أكثر ولا أقل فيبدأ بالانفتاح على خصائص المجتمعات الأخرى لا وبل يصل إلى أن يستجدى تطبيق ما يحدث في الخارج بداخل مجتمعه حيث أن الخصائص والمفاهيم الأخرى روجت لنفسها وأقنعت العالم بأن خصائصها هي الأمثل وعملت على شرح وتفسير تطوير تلك الخصائص وراعت الاختلافات، فبوجود أشخاص غير مدركين لخصائص مجتمعهم ولا مستوعبين لأسباب ومراحل تطور مجتمعهم، مع وجود مجتمعات أخرى ناجحة ومروجه لنجاحها كنتيجة لتطبيق مفاهيمهم وطبائعهم، تصبح مجتمعاتنا مجرد أفراد يستجدون الخروج لتلك المجتمعات، أو تطبيق تام لما هو في الخارج على مجتمعهم.
بالطبع ستكون النتيجة هي الفشل ما اذا تطبقت التجربة بحذافيرها، لأن كل مجتمع فصل أفراده خصائص مجتمعاتهم على مقاسات مجتمعهم، على حسب البيئة الجغرافية أولا ومن ثم الموارد ومن ثم التاريخ وعدد السكان وطبيعة الطقس وإلى أخره، كذلك الأشخاص الخارجين للاندماج في مجتمعات أخرى يصلون إلى مرحلة يجدون أنفسهم غير محققين لذاتهم وأن قدراتهم محجّمة وأفاقهم مقلصة ويصابوا بنوع من خيبة الأمل ثم التكييف مع الوضع كيف ما كان ولو كان بخيبة أمل كبيرة، وطبعاً كل هذه المشاكل سببها السؤال الأول؛ ماذا يحدث حين يفهم الفرد خصائص المجتمع الذي يعيش فيه؟
هنا نأتي للسؤال الثاني من المخول بتفهيم الأفراد خصائص مجتمعاتهم؟ إنهم أولياء الأمور بالدرجة الأولى، وحين يستهين أولياء الأمور بدورهم في الإجابة على تساؤلات أبنائهم ومحاولة اسكاتهم تنشئ مجتمعات ناقصة مشوه مشتتة، ومن ثم يأتي دور المعلم والمربي الذي لا يدرك أن على الأطفال أن يتعلموا بكثافة العلوم الإنسانية تماماً مثل العلوم الأخرى في مقتبل أعمارهم، قد ربما يستغرب القارئ ويستصعب فكرة تعليم الأطفال علم الاجتماع والفلسفة، ولكن بالطبع لن نعلمهم ما قاله أفلاطون عن المدينة الفاضلة ولا سيدرسون فلسفة ديكارت ولا كتب ابن خلدون، إنما القصد هنا هو بتخصيص حصص كبيرة للمناقشة وقراءه القصص والإجابة على الأسئلة العشوائية والحرص بذكر معلومات مع أسباب وجودها، كذلك عليهم أن يتعلموا لماذا عليهم أن يستأذنوا أو يتحدثوا بصوت منخفض في بعض المواقف ومرتفع في مواقف أخرى، على المعلم أن يشرح لهم لماذا عليهم أن يتعلموا الحروف والأرقام، لماذا يتعلمون أكثر من لغة، وهكذا وإن لم يستوعبوا كثيراً من الأسباب، ومن ثم علينا إضافة مواد اجتماعية (ليست تلك البائسة التي درسناها في المدرسة) في مرحلة الابتدائية والاعدادية وحتى الثانوية، علينا أن نكف عن الكذب عليهم بتعزيز التاريخ المشرف وإخفاء الواقع المظلم وحقيقة أسباب هذا الظلام، علينا أن نكف عن شيطنة الآخر لنعزز لديهم فكرة أن مجتمعهم هو الأفضل، الصدق في الإجابة وفتح أفاق البحث والمعرفة هما الحل لكثير من خيبات الأمل التي يصاب بها المجتمع حين يكبر، والنتيجة تكون " المجتمعات العربية "


تخيلوا معي لو أننا تعلمنا منذ الصغر أسباب وجود الزيارات بين النساء ولماذا تحديداً القيام بتلك الطقوس لتلك المناسبات، لو تعلمنا لماذا نأكل بالطريقة الفلانية وليس بطريقة مختلفة وهل هي الأفضل أم فقط هي ما كانت متوفرة آن ذاك، لو تعلمنا أن العلم من شأنه أن يغير الطقوس والعادات والتقاليد طالما وهو يصب في مصلحة الجميع ويحقق قيم الحق والخير والعدل، لو تعلمنا ما هي أسباب انتمائنا لهذه الأرض دون غيرها، ولو تعلمنا كيف نتداخل مع المجتمعات الأخرى وأن الاختلاف جمال، والتجربة ليست أمر مستنكر، هل كنا سنكون أجيال مشتتة لهذا الحد نتصنع الوطنية لأنها الشيء الوحيد الباقي الذي يشعرنا أننا بشر، بالرغم من أن كل واحد فينا لا يفهم ماذا تعني الوطنية أو لماذا علينا أن نكون وطنيين.

إن وعيينا بالأخطاء التي كونت مننا أجيال مبعثرة ستخولنا من إعادة تربية أبنائنا بطريقة نوعاً ما أقل جنوناً أو هكذا أنا أؤمن، سلاحنا هو المعرفة ثم المعرفة ثم نقلها ونشرها والعمل بها، ف فاقد الشيء قد يعطي أفضل منه. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فلتتطور ..

يوميات حامل