لماذا علينا أن نعيش بداخل العالم الافتراضي أكثر وأقل


عن العلاقات التكنلوجية 


يقول زيجمونت باومان عالم الاجتماع البولندي الأصل في نظريته الاجتماعية عن مواقع التواصل الاجتماعية، أن العلاقات الاجتماعية أصحبت هشة في العالم الحقيقي تماماً مثل العالم الافتراضي، فمن الممكن في العالم الافتراضي كسب صديق عبر كبسة زر ومحو علاقة عبر كبسة زر، كذلك العلاقات الإنسانية في عصرنا الحالي عصر ما بعد الحداثة أو كما يسميها باومان عصر الحداثة السائلة.


منذ مايقارب أشهر اتخذت قراراً أن أقوم بمسح تطبيق الفيس بوك والتويتر من على جهازي المحمول، ذلك الجهاز الذي أصبح عضو من أعضاء الجسد البشري في عصرنا الحالي، كان السبب الأول في اتخاذي هذا القرار هو شعوري بأني أصبحت أفتح تلك التطبيقات كل دقيقتين وأتصفحها بالساعات ويأخذني الوقت وينتهي يومي دون أن أكمل ماهو مناط بي فعله، وكلما دخلت لأبحث في جوجل أو غيره عن المواضيع التي علي أن أبحث عنها ينتهي بي المطاف في الفيس بوك بين منشورات الآخرين والأخذ والرد. كنت أشعر دائما أني في حالة توتر وقلق، وكل مشاعر الأشخاص في العالم الافتراضي تنتقل إلى، سواء كانت مشاعر سلبية أو إيجابية، كنت أشعر فعلياً أني متخمة بكثير من الانفعالات المتناقضة، وكنت أشعر أني أعيش وسط حي صاخب لا ينام مليء بالأصوات العالية والأحاديث التي لا تنتهي.

كثيراً ما سمعنا عن الدراسات التي تقول بسلبيات ومخاطر الافراط في استخدام مواقع التواصل الاجتماعية، لكننا كجيل استخدم مواقع التواصل الاجتماعي بشراهة كنا نشعر أنه تطور تكنلوجي لم يستطيع أن يهضمه الكلاسيكيون، ولذا ينشرون التحذيرات منه بشكل مبالغ على الدوام، وبالفعل كانت بعض الدراسات مبالغة في ردة فعلها، والقليل منها منصف.في أول أسبوع لي بعد حذف التطبيقات، شعرت بفراغ كبير، ولكنه لم يكن فراغ سلبي، بل إيجابي نوعاً ما، شعرت بأنني كنت في حالة من الازعاج وكانني كنت عالقة في وسط الزحام والآن أمشي في طريق مفتوح. لم أكن أتوقع يوماً أن من الممكن أن أكون في طرف ضد استخدام تلك المواقع ولست الآن كذلك، لكنني فقط لمست أمراً قد يعتبر خطير وقد يراه البعض من المبالغات.

مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي بإدمان، من يشاركون حياتهم وأراءهم عليها، أعدادهم كبيرة جداً، حتى في مجتمع مثل اليمن متخلف تكنلوجياً، يكاد يبلغ عدد مستخدمي الفيس بوك منهم رقم لا بأس به، قد لا يكون عدداً كبيرا، لكن أغلبيتهم من الطبقات التي تُعتبر متعلمة، خاصة وأن نسبة الأمية في البلاد أكثر من النصف بالمائة. هؤلاء الأشخاص يستهلكون طاقتهم الفكرية في مواقع التواصل الاجتماعية، حتى المفكرين والكتاب والدارسين والاعلامين، الجميع يشارك أفكاره هناك، في البداية يكون هدف النشر هو التأثير على جزء من المجتمع، ثم يصبح متعلقاً بالجمهور الافتراضي، ثم يصبح مدمناً للمشاركات والتفاعل المباشر، حتى يشعر بأنه استوفى الإنجاز. وفي الحقيقة، هو لم يقم إلا بتغيير أراء آنية، والمشاركة في صنع رأي عام -ربما- لحظي لموقف ما، وكل شهرته ستتبخر بكبسه زر أو تهكير، وكأن أفكاره التي كتبها وكان يرى أنها صنعت حدث مجتمعي، ماهي جزء من لحظات لا تُذكر.

إن الخطر الحقيقي هنا هو على الدول النامية فكرياً دول العالم العربي على وجه الخصوص، هذا العالم الكبير الذي صار مفروماً تحت وطأة الحروب والثورات، ومستنزف عاطفياً وفكرياً داخل مواقع التواصل الاجتماعية. فهذا العالم يحتاج بشدة أن يعمل مفكروه ليلاً نهاراً لإنشاء نظريات جديدة وإخراج مؤلفات وكتب ذات ثورات فكرية تنهض به، وحين يصاب المفكر بداء الفيس بوك والشهرة اللحظية واستجداء الجماهير الافتراضية، تتبعثر أفكاره وتصير نظريات مبتورة وعلم غير مكتمل ورؤى هشة غير مكتملة الأركان.

في المقابل، لا أحد يستطيع أن ينكر مدى التسيير والتسهيل في نشر الأفكار والأحداث والمعلومات الذي تصنعه مواقع التواصل الاجتماعية، كذلك هناك دراسات حديثة تقول بأن الفيسبوك يحسن العلاقات الاجتماعية على أرض الواقع، ولأنه لا تزال هذه المواقع جديدة نوعاً ما، فلم تتمكن الدراسات من إقامة نتائج ثابتة تقول بسلبيات أو  ةوةيس_خهماببكمواقع التواصل الاجتماعية بشكل قطعي، لكننا نستطيع أن نلاحظ النمط الفكري الذي يطرأ على المجتمع من خلال المشاهدة لسلوك الآخرين ولسلوكنا شخصياً. في النهاية قد يتفق أو يختلف الناس في أراءهم حول تأثير مواقع التواصل على السلوك الفردي والمجتمعي لكن نتفق في النهاية أن لمواقع التواصل الاجتماعية تأثير على المجتمع وسلوكه يلاحظه الشخص في نفسه وفي من حوله، من المهم أن نكون على وعي بهذه الحقيقة، ومن الأهم أن نكون على حذر من الوقوع في التطرف حول استخدام هذه المواقع حفاظاً على استنزاف عواطفنا ومشاعرنا وأفكارنا.

تعليقات

  1. من أرقى و اجمل ما قرأت .. كلام مليئ بالفائدة و غني بالمعرفة .. سلمتي يا رائعة

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فلتتطور ..

يوميات حامل