في الطريق إلى كوفيد 19
في الطريق إلى كوفيد19
كحال بقية ليالي رأس السنة، كنت أدفع نفسي للخروج من المنزل لأحتفي بعامّ جديد فقط لأجل طفلتي. أما أنا فلي روح كهلٍ يكن إلى زاويته ويتجنب الضوضاء. أخذت صغيرتي إلى مقهى قريب وبقينا هناك نفتح لعبتها الجديدة الصغيرة (اللول سبرايس) تلك الدمية صغيرة الحجم قبيحة الملابس المليئة بالبلاستيك باهضة الثمن، ولا سامح الله قنوات اليوتيوب ومصانع الدمى.
كانت سعادتها وهي تفتح كل قطعة وتقلد ردود فعل أصحاب قنوات اليوتيوب المعلنين عنها مبهجة. فقد بدت فعلاً سعيدة جداً، ولهذا نحن بالعادة نرضخ لطلبات أطفالنا اللا منطقية، لنرى من خلال عيونهم نشوة الحياة التي فقدناها في إحدى محطات الحياة.
قلت لنفسي تلك الليلة، هذه السنة ستكون مختلفة، سأدفع نفسي بمقاومة عالية نحو علاقات جديدة وتجديد علاقات قديمة، سأعيد للأيام رونقها في عيني، فقد سئمت هذه الروح الثقيلة. كان الوقت مناسب لذلك القرار وقد تخلصت من جزء كبير من عبء الدراسة وكتابة البحوث والتدريس واعتدت العمل في مجال الأكاديميا فلم يعد الأمر يشكل ضغط كبير.
وبالفعل دشنت عامي بالتواصل مع صديقات كنت قد فقدت التواصل معهن بسبب الانشغال، ولم أكن أرفض أي لقاء وأي "طلعة".
كنت سعيدة بمزيج شخصيتي الجديدة بمكونات الثبات الفكري والقناعات الجديدة و الشغف للاحتفال والانطلاق والمغامرة. حتى وبعد أن ضربت الجائحة مدينة اسطنبول وأُغلق كل شيء، بقيت أحارب ضيق الأجراءات بالضحك على "كوفيد" وتبعاته وإجراءاته، وبقيت اتتبع وأنشر كل "ميم ساخر" عن الوضع. كانت خطة ناجحة فقد تخطيت المرحلة نفسياً بنجاح، بل وكنت متفائلة، حتى حين عادت الحياة جزئياً في صيف ٢٠٢٠ عُدت وبقوة للإحتفال
والإحتفاء.
ومع قرب انتهاء فترة دارستي واستلام درجة الماجستير، كنت قد وضعت خطة للاستمتاع ببقية العام.
تناولت صفعة جميلة - ربما- حين فشلت جزء من الخطة بعد أن جاء التحليل بخطان على عمود اختبار الحمل قبل يومان من مناقشتي أطروحة الماجستير. لكنني قررت أن أتجاهل الأمر وأخذه كعرض بسيط لا يعيق خططي نحو استكمال ماخططت له، وبالفعل استمر الوضع ثلاثة أسابيع، فقط، حتى بدأت أعراض المرحلة الأولى من الحمل بالظهور.
لم يكن الأمر سيئاً نفسياً فقد قلت لنفسي مسألة أشهر ثم سأعود في المرحلة الثانية والثالثة من الحمل لمتابعة المزيد من الخطط وأحقق قائمة هذا العام الذي وضعتها.
وبالفعل جائت المرحلة الثانية من الحمل وأنا على اهبة الحماس للإنطلاق مجدداً وفي سباق مع الوقت حتى أنطلق قبل أن أضع مولودي الثاني.
بالرغم من أن حالة الإغلاق التام مع نهاية العام كانت قد عادت إلا أن التجمعات في المنزل والزيارات لم تكن ممنوعة بعد، هذا غير تجمعات عالم مواقع التواصل الذي ازدهر أكثر بعد إجراءات الوباء.
مر ٢٠٢٠ بسلاسة، بكثير من الضحك وقليل من الإلهاء. واظن أن ٢٠٢٠ أخذ على خاطره مني كثيراً وشكى ل ٢٠٢١ كيف سخرت بكل خطب جلل حمله معه.
استفتحت ٢٠٢١ بإصابتي انا وزوجي وابنتي بكوفيد ١٩. إلى ذلك الحين كنت لا أزال أأخذ هذا الوباء على محمل اي شي إلا محمل الجد. ففي الأسبوع الأول من الإصابة قاومت أنا وزوجي بالطريقة التقليدية، بالفيتامينات والقليل جداً من المسكنات.
حين فقدت حاستي التذوق والشم كنت قد تأكدت من أننا قد أخذنا الفيروس بنجاح. ما إن جاء الأسبوع الثاني حتى بدأت أشعر بأعراض يأس تتسلل إلى مفاصلي وطاقتي وقلبي. كنا قد اختلطنا في بداية المرض بعائلتي كلها.
انتهى الإسبوع الثاني من المرض، وقد رحل الفيروس تاركاً جسدان مليئان بالهزيمة والتعب، تعب وإرهاق وعدم اتزان، أمرٌ عجيب وشعور لم نختبره من قبل.
وبينما كنا نحاول أن نستعيد جزء من الطاقة، بدأت الأعراض تظهر على والديَّ. مر الأسبوع الأول، وما إن جاء الأسبوع الثاني حتى خارت قوى والدتي تماماً وتمكن الفيروس من اختراق رئتيها. وما إن أسعفناها إلى المشفى حتى وضعوا لها جهاز التنفس وتم نقلها لغرفة الرقود للعلاج، استغرق الأمر عشرة أيام. قبل يومان من خروجها من المشفى، كانت الحمى قد عاثت فساداً في جسد أبي، حمى لا تبرد وسكر لا ينخفض، نقلناه على إثر ذلك للمشفى متوقعة عشرة أيام له من الأكسجين ليتماثل للشفاء كوالتي تماماً.
ماهي إلا يومان حتى تم نقله لوحدة العناية المركزة، دون مرافق، دون مترجم، دون أية معلومات عن الوضع.
أعتقد حينها، حينها فقط، أيقنت أن لا جدوى من المقاومة، لا جدوى من الأمل، لا جدوى من أي خطط أو قوائم أو تغيير. استحوذت روحٌ أكثر كهالة على جسدي، وقررت الإنسحاب من أي شيء حتى إشعار آخر.
عشت أشهر، ولا أزال ، أدرس كل يوم نتائج فحوصات الدم، وأذاكر آخر ماتوصلت له الأبحاث والدراسات عن هذا الفيروس. تيه كبير يشوب الوباء، أطباء يرتجلون، وأرواحٌ تعاني نفسياً وجسدياً فوق الأسرة وعلى أجهزة التنفس، إن الأمر أكبر بكثير من أن ينتهي قريباً.
مابين إيماني بالطب وكفري به، عشت تحت وطأة الباحث عن أي خيط للأمل، لكن لا جدوى يأتيك هذا الفيروس كل مرة بمفاجأت كبيرة. لم يكن في اليد حيلة إلا التسليم لقوة أكبر تتحكم بكل شيء، لله، وأنت مدرك تماماً كم أنت عاجز، قليل الحيلة، أنت وكل البشرية بكل إنجازاتها العلمية والحضارية.
كل ذلك وأنا أضع كل هذا الضغط على جنين لم يرى نور الحياة بعد، تُرى أي غباء هذا الذي يجعلنا نأتي بأشخاص لهذه الحياة التي تزداد كل يوم تعقيداً!
لا أجد إجابة، مطلقاً.
خرج والدي من العناية المركزة، من وحدة سجون المشافي. وكيف يكون حال الخارج من السجن الإنفرادي تحت وطأة التعذيب! هكذا، لن أشرح أكثر ولكم الخيال.
طيلة فترة بقائة في المستشفى، كنت أحمل هم حالته بداخل تلك الغرف المعزولة عن الشمس والناس، حالته النفسية.
المفارقة التي لا حل لها، ذلك البروتوكول الذي يعمل به الطب العالمي. بحثت عن تاريخ فكرة وحدة العناية المركزة،
تاريخ يشوبه الكثير من التعجب بين بداية الفكرة وما آلت إليه، وبين قِدم الفكرة وكيف أنها لم تتطور من يومها.
الطب، هذا المجال المحمل بالنوايا الحسنة نحو إنقاذ الأرواح، هو ذاته المجال الذي يحصد الأرواح، إنه المنقذ والجلاد في نفس اللحظة. إحدى مفاراقات عصر التحديث ومابعده، العصر المليء بالتناقضات والمشاكل تحت عنوان التقدم والتطور، عصر يقتل الإنسانية تحت شعارات تمكين الإنسان وإعلاء الإنسانية.
على كل حال، جميعنا في الطريق إلى كوفيد ١٩، سيبقى يأتي بموجاته وتحوراته ليحصد ويقضي أمراً كان مفعولا، لكن سيبقى السؤال، هل هو فيروس مُخّلق في مختبرات، أم هو تطور "طبيعي" لما كسبت أيدي للناس! ربما لن نعرف أبداً.
تعليقات
إرسال تعليق