التعليب، وتفريغ المعنى

 

التعليب.. وتفريغ المعنى

(تمهيد بعيد)

يأتي الصيف وتغزو الأكزيما يداي وتجعلهما تبدو كيد عجوز في السبعين من العمر. لا أهتم كثيرًا إلا أن الحكة مزعجة. بيد أن العالم من يجعلنا نخجل من أي شكل لا يناسب الصور المنمقة الشهيرة. فأراني أخبئ يداي كلما مررت بالقرب من الناس. المشكلة أننا نبدأ في النظر بشكل سلبي إلى أنفسنا حين لا نكون في صورة تشبه الصور المروج لها في العالم على أنها معايير الجمال.

المقال

على طاولة الطعام في باحة الريزورت لمحت أختي أكياس الملح والفلفل وأبدت إعجابها بالتعليب، وافقتها الرأي ثم قلت لها: أصبح (الباكجنج) هو كل ما في الأمر، ليس فقط على مستوى الأشياء، بل على مستوى الأشخاص.

فكرة التعليب أو التغليف أو طريقة العرض هي الفكرة المتصدرة في عالمنا اليوم، فحتى حياتك الشخصية، فلا يهم ما يحدث معك فعلًا ولا يهم ماهي أفكارك ولكن يهم كيف تقدمها. دعوني أحلل لكم هذه الفكرة، تخيل أنك تريد أن تحصل على وظيفة في مجال من المجالات وليكن مجال التعليم الذي هو مجال يعتمد على العلم والخبرات، تستطيع أن تحصل على عرض أعلى إذا قمت بعمل صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي تعرض فيها مقتطفات من أجمل المواقف في حياتك مع الطلاب أو خطابك مع الجمهور بشكل منمق وكلما كنت مفوه أكثر كلما حصلت على متابعين وشهرة ومن ثم تحصل على عروض أعلى حيث ستتلاحق العروض من المؤسسات بتوظيفك لتروج عن مؤسستها بأنك تعمل لديها.


هذا سيناريو بسيط، لو قمت بإسقاط هذا السيناريو على مجالات أخرى ستجد الكثير من الأمثلة. أنا ضربت مثال بعيدًا عن التسويق للخدمات وبيع البضائع، لأن قد يقول أحدهم  أن هذا يسمى فن التسويق وهذا المجال يعتمد على أسلوب العرض والتقديم، ولست بصدد مناقشة معنى التسويق أو طريقة عمله ولكنني هنا أقول أن عالم التسويق والسوق أصبح أسلوب حياة لكل شيء حولنا. حتى علاقتنا صارت تعتمد على الابهار، لا يهم كينونة الشخص من الداخل، ولكن كيف تعرض حياتك وتسوّقها للآخرين، وكلما سوّقت لحياتك أكثر وعملت تعليب جيد كلما حصلت على علاقات أكثر، ومن المعلوم أن العلاقات تعني فرص أكبر. ربما لا ترى أي خلل فيما أقوله، فوصفي للواقع هذا يعمله الكثير ولا يرون فيه أي خلل.


الإنسان هذا المخلوق المعقد يحمل في طياته مكنونات معقدة مليئة بالعواطف والمشاعر وتراكم الأحداث والمواقف التي صنعته وجعلت منه النسخة التي هو عليها الآن، اختزاله في قالب خارجي كما هو حال البضائع والخدمات يجعل منه مساويًا للمادة التي يعيش معها وبها ويظلمه، فترى الكثير من اللذين لا يجيدون فن العرض والتعليب أو لا يملكون فرصة الترويج عبر الإعلام ووسائله يعيشون على هامش الحياة. لا عجب أننا نعيش في عالم ينتشر فيه القلق والاكتئاب، فالجميع يظن أنه سبب فشله له علاقه بشخصيته أو بتحصيله العلمي، فيعيش في وهم أنه أقرب للفاشلين أو المنحوسين.

إن الجهد الذي يبذله الإنسان في كيفية بناء نفسه خارجيًا أكبر من بناءه من الداخل والنتيجة كثرة وجود أفراد سطحيين يصبحون لقمة سهلة لمعايير السوق العالمي الذي يحولهم لروبوتات تعمل ليلًا نهارًا لرفد رأس المال العالمي. إن آلية البيع والشراء صارت آلية العيش، ومعايير السوق صارت هي المعايير للنجاة والعيش والمواكبة، وهذا إجحاف في حق الإنسان.

وإن تحدثنا عن تعليب البضائع والخدمات، فالأمر ليس بعيد عن الإجحاف، فحقيقة الجودة ليست القوة الفاعلة لزيادة المبيعات، بل طريقة العرض والتعليب هي النقطة الفاصلة، وليس من المهم أن تحصل على منتج بجودة عالية قابل للبقاء والاستدامة فثقافة السوق تقول أن عليك أن تستمر بالتغيير والشراء لتظهر بشكل أفضل وملائم في المجتمع أو كما يقول زيجمونت باومان : " كلما استهلكت أكثر كلما ارتفعت مكانتك".

إن ارتفاع تقييم جودة التعليب وقوة العرض حتى أصبح المعيار الأول في أسلوب حياتنا اليوم، يشكل تهديدًا كبيرًا على الحقيقة وعلى نفسية الإنسان، وملاحقتنا المستمرة لمواكبة الرائج تصنع مننا آلات معدة للركض والعمل دون الالتفات للغاية أو للإنسان الداخلي.
 فتُرى هل كان منظر أحدنا ليؤرقه، أو عدم اقتناءه للكماليات وممارسة الفعاليات الترفيهية البحتة يجعله يغرق في دوامة القلق والتوتر والشعور بالمظلومية؟!

ملاحظة: التعليب لا يعنى النظافة أو الطابع العملي.


إيناس العوامي

22 حزيران 2022

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فلتتطور ..

يوميات حامل