ماذا فعلت بنا المدن

مبانينا مزدحمة وأعدادنا كبيرة لكننا لا نعرف بعض، 

لا نعرف بعض لأنه لايسعنا أنت نتعارف بشكل قوي حين يكون سكان البناية العمودية أكثر من ثلاثين شقة

لن نتعارف لأن كل شخص عائلة أو أفراد يسكنون تلك المباني مغمورون في الأعمال التي تجعلهم قادرين على أن يدفعوا ثمن الخدماتالمتوفرة لهم من ماء وكهرباء وشراء الطعام والملابس ودفع الضرائب، فلو استكان أحدهم وقرر يعيش حالة اجتماعية أكثر من الحالة العملية لمااستطاع أن يلحق مستوى المعيشة ومن الممكن أن يتدنى من الطبقة الاجتماعية التي اعتاد العيش وفقها، فالاعتياد على الرفاهيات في غيابالبديل الاجتماعي الصحي، يصبح أشبه بحالة من الإدمان، ومن الرعب أن يتخيل الإنسان نفسه قادرًا على التخلي عن الوضع الذي اعتادعليه، فنصبح على استعداد لحرق أنفسنا في العمل مقابل التطور المادي أو البقاء على نفس الحال

كفي حقيقة الأمر أنا لا انتقد بل أفهم تمامًا الوضع، فمهما كان الإدراك بكارثية السعر النفسي والآمان الاجتماعي الذي ندفعه مقابل تمسكنابرفاهية المدينة، إلا أننا لا نعرف أي شكل إنساني آخر للعيش 

والبديل في وعينا هي تلك الصورة  التي تصر المنظمات الاغاثية أن تبثها تحت مسمى الكوارث والمجاعات والتخلف للمجتمعات التي تعيشخارج نظام المدينة بمعناه الحداثي

هذه ليست دعوة للتشاؤوم فقط هي دعوة لمحاولة فهم أنفسنا في هذه الحقبة الزمنية التي نعيشهافيتردد السؤال على مسامعي كلما التقيتأحد، لماذا لم يعد بالإمكان تكوين علاقات اجتماعية، الجميع يبحث عن أصدقاء، وفي نفس الوقت كل المحاولات تبوء بالفشل وتمر أياموالجميع على أمل أن يعيش في حضن اجتماعي يستطيع أن يميز فيها إنسانيته عن طريق تشارك الأفكار والفعاليات والهموم والأفراح

علاقتنا أصبحت أشبه بطعام المدينة المتنوع السريع الذي يمنحك لذة مؤقتةلكنه لا يغنيك بالمعادن والفيتامينات ويشعرك بالتخمة ويسبب لكالخمول، ولكنك لا تعرف سواه وربما مدمن عليه.

والسؤال الآخرلماذا نبحث عن الناس ونهرب من الناس في نفس الوقت، هذه الحالة أصحبت متكررة عند الجميع فربما بدأ التساؤول عنطريق السخرية من التناقض الذي يعيشه أغلبنا، لكن الكثير انضم إلى تلك الحالة واليوم أصحبت معضلة لا نفهمها ومازلنا نأخذها علىمحمل السخرية لكنها أصبحت مشكلة حقيقية غير مفهومة، وأظن أنها حدثت بعد أحداث كورونا، فالعزل الاجتماعي الذي حدث فترة انتشارالوباء كان أشبه بالكرزة التي زينت كعكة الفردانية وتشضي العلاقات واضمحلال الأسرة الممتدة

ولأن الإنسان بطبعه مخلوق اجتماعي بقي يقاوم من الداخل ولكن لم يعد يعرف كيف يعيش ضمن مجتمع طبيعي

ربما نحتاج اليوم لإعلان حركة تمردية على الراحة المزيفة التي نعيشها

اليوم أدعوكم أن تقاوموا تخدير المدينة وتأثيرها.

انفض عنك الحدود التي رسمتها لتضيق على نفسك تحت مسمى الحرية الشخصية، اسمح لنفسك أن تسأل عن جيرانك بدون داعي، تعرفعلى المارة، اسأل غريب في المقهى عن ما يقرأه وعن تخصصهربما ستُقابل بالرفض مرات عديدة، لا تستسلم

فعّل لديك الرغبة في التعاطف والتعارف والتسامح وإبداء الإعجاب بالآخرين

ارسم حدود أوسع لنفسك، اجعل مرجعيتك أكبر من الحرية الشخصية الضيقة

تقبل الخلاف والنقاش ، تخلص من النسبية التي تجعلك تائهًا منعزلًا

اليوم أنا أدعو العالم أن يتمرد على الفردانية على تأثيرات المدن الحداثية

تحت الحكمة الإلهية الأسمى (لتعارفوا). 

قاوم 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فلتتطور ..

يوميات حامل