منطق الكفر

إبليس يستخدم في كل مرة المنطق نفسه ليضلّ به الناس، والعجيب أن الضالين يستخدمون الكلام ذاته والمنطق نفسه ليجادلوا به المؤمنين، وكأنهم (جابوا التايهة)، أو جاءوا بفكرة خارجة عن المألوف.

تأمل، مثلًا، في قصة فرعون. كان فرعون يخاطب قومه مستخدمًا حججًا لإقناعهم بألوهيته وببطلان آيات موسى. لم يكن يجبرهم على اتباعه، لكنه كان يدرك إمكانية الاستخفاف بعقولهم؛ فقد كانوا غارقين في النعم، ويعتقدون أن التمكين دليل على الحق، فمن كانت له القوة والغلبة فهو – في نظرهم – الأحق بالطاعة.

قال لهم: "أنا الملك، فلو كان موسى نبيًّا، فلماذا لم يكن هو الملك؟" وقال أيضًا: "أنا أملك هذه القصور والأنهار والخير الوفير، فلماذا لا تُنزَّل عليه أساور من ذهب؟ أو لماذا لا يكون معه ملائكة تحيط به؟!"

للوهلة الأولى، قد يظن المرء الغافل – الذي يبحث عن تبرير للباطل – أن هذه حجج منطقية، لكن الاستخفاف ينكشف لمن كان يبحث عن الحق أصلًا. لننظر في كلامه: هل هي فعلًا حجج منطقية؟

استعبد الفراعنةُ بني إسرائيل لسنوات طويلة، منذ أن استولوا على مصر بعد معركتهم ضد الملوك الذين كان يوسف عليه السلام وزيرًا في عهدهم. أي أنهم استعبدوا بني إسرائيل لمئات السنين، فكيف يكون الملك لموسى بين ليلة وضحاها؟ ثم إن طلب موسى لم يكن الملك، ولا حتى إسلام فرعون، بل كان طلبه أن يبعث الله معه بني إسرائيل ويحررهم.

لم يكن قوم فرعون مستعدين للتخلي عن حياتهم المرفّهة، أو إطلاق سراح عبيدهم وخدمهم، أو العمل بدلًا منهم. كانوا يرون أنفسهم قد بلغوا مستويات عالية من التحضر والازدهار، وكانوا بحاجة إلى تبرير لاستمرار استعبادهم لبني إسرائيل، دون أن يشعروا بأنهم همج. لذا وصفهم الله بقوله: "فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ" (الزخرف: 54).

ولأن ازدهارهم كان مبنيًّا على الماديات، قال لهم فرعون: "لو كان موسى نبيًّا، لأُلقيت عليه أساور من ذهب على الأقل، أو لجاء معه الملائكة كحُرّاس شخصيين" "أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ" (الزخرف: 53). كانت هذه الأدلة – بالنسبة إلى قوم فرعون – كافيةً ليقتنعوا بكل قرار يتخذه فرعون بشأن بني إسرائيل، فاختاروا الكفر وخسروا الآخرة. قال الله تعالى: "فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ" (الزخرف: 55).

كم مرة في حياتنا سمعنا أشخاصًا يستخدمون حججًا واهية لإنكار الدين؟ وكم مرة رأينا أناسًا استخفوا بهم فأطاعوهم؟ سيبقى إبليس يلقّن أعوانه أدلة الشك والإنكار، فهو أول من استخف بالكفار فأطاعوه. وليس هذا بغريب، فقد كتب الله على إبليس أن يكون أداةً للضلال لمن يتّبعونه، كما قال تعالى في سورة الحج: "كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ" (الحج: 4).

لكن الغريب أن الذين يطيعون تلك الحجج الواهية يظنون أنفسهم أذكى من المؤمنين، بينما الله يصفهم بأنهم مستخفّون! وحين تتأمل في الأمر، تستغرب كيف تنطلي عليهم تلك الأسئلة والحجج!

هناك صفات مشتركة في الذين يُستخفّ بهم:

  1. تمسّكهم الشديد بالنعم الدنيوية ولهثهم وراء المال والجاه. يرون أن النجاة والخلاص في الثراء، فيرفضون أي قيمة أو خلق قد يحدّ من امتلاكهم المادي وتنعمهم.

  2. رؤيتهم للقوة المادية والسلطة على أنها دليل الحق. تجدهم أذلاء عند أهل السلطة والجاه، متكبرين على البسطاء. إذا كان المنتصر مخطئًا، أتوا له بالتبريرات، وإذا كان الضعيف على حق، أنكروا عليه ذلك.

عندما تتدبر هذه السيكولوجية، تجد أن الكفر والإيمان لهما الحيثيات ذاتها منذ أن خلق الله البشرية. يتغيّر شكل الحضارة خارجيًّا، لكن فكر الإنسان لا يتطور في حقيقته. كما تجد أن إبليس يستخف بالمكذبين بالأساليب نفسها على مر الزمان، وأن نفسيات المؤمنين متشابهة، وأساسهم النفسي واحد. حتى أنك تستطيع أن تميّز بين من هو قابل للهداية ومن هو بعيد عنها – ولله العلم طبعًا، وهو يهدي من يشاء.

الخلاصة:

إن أنار الله قلبك، فاستمسك بما أنعم الله عليك، واحفظ قلبك. لا تعرضه لمجالسة أولئك القابلين للاستخفاف، فإن هبة الهداية لا تُعوّض بثمن. احمد الله عليها ما حييت، ولا تساوم عليها أبدًا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فلتتطور ..

يوميات حامل