هل اتخذت قرارًا اليوم؟
قبل أن أأتي لهذا العالم بمخلوق جديد، ظننت أني ارتكب جناية بحق هذا الإنسان. فعالمنا الذي نعيشه اليوم يعيش معضلات ومفارقات لم تحدث في تاريخ البشرية من قبل.
أن تتخذ قراراً كهذا وأنت مدرك لأزمات العصر، فأنت إما أنك تعيش دون تفكير وتخطيط أو أن لديك وجهة نظر ما.. ربما.
عصرنا قد يكون مليء بشتى أنواع الترفيه وربما أحدث عصر مر على تاريخ البشرية من ناحية الأدوات وسهولة التنقل والتواصل والاختراع، لكنه عصر فارغ من الإنسان. تتحكم فيه قوانين خاضعة لمعايير القوة والسرعة والمال، وتُهمش فيه معايير الود والتراحم.
ربما يبدو للقارئ أن هذا كاتب متشاؤم، لكنه العكس تماماً، إن بدايات النجاة تكون بتسليط الضوء على المشكلات، وخلق حالة إدارك عالية، لتفكيك الأسباب الكامنة وراء المعضلات الإنسانية التي نعيشها اليوم وتعيشها الأجيال اليافعة بشكل أخص، ففي عالم مليئ بالخيارات الفكرية كبضاعة معروضة على أرفف المحلات التجارية، يزداد تشتت الإنسان خاصة وهو يعيش في عالم معاييره مادية.
المريب في الأمر أن تلك المعايير تُسَوَّق في عالمنا على أنها الإنسانية المُثلى. وهنا يأتي السؤال، مالذي يجعل اتخاذ قرار ما في حياة الإنسان اليوم يشكل معضلة بالنسبة له قد تصل به حد الضغط النفسي المفرط الذي يؤدي به إلى الاكتئاب وربما أكثر، ناهيك عن المشاكل الصحية المصاحبة لهذا التوتر الحاد؟
يبدو أن اقتناع أحدنا بفكرة أنه قادر على جلب الضر والنفع لنفسه وأن عقله هو العنصر المتحكم في مصيره ومايحدث له، فكرة تصيبه بالهلع والقلق تجاه ماينتج عن أي قرار يتخذه، كما أن الفكرة التي تقول بأن من هم في مصاف "السعداء" والناجحون، قد تمكنوا من اتخاذ القرارات الصائبة، تضيف ضغطاُ على متخذ القرار وتصنع أشحاص يعيشون في توتر مستمر، ولا عجب أن القلق سمة هذا العصر. وهذا أحد الأسباب التي تجعل من اتخاذ القرار أزمة من الأزمات الكبرى التي تواجه الإنسان.
إضافة إلى ذلك، الأيقاع السريع لعصرنا لا يسمح للإنسان أن ينعم بوقت هادئ قادر فيه فيه على غربلة المعايير التي يمشي وفقها، أو المعايير المفروضة عليه وعلى الجميع. فيصبح المرء فارغ من المرجعيات الثابتة التي يسن بها معاييره السامية التي تمكنه من تجاوز طبيعة العصر المادي الذي نعيشه. لذا يصبح اتخاذ القرار أمر حيثياته مادية ويحركه المزاج العام للحالة الإعلامية العالمية أو المزاج الشخصي وفق الحالة النفسية للشخص نفسه.
كل ذلك يجعل الأرضية الفكرية ل- إنسان اليوم- أرضية هشة تتغير وفق كل معطى جديد أو "ترند" متصدر. لذا يعيش حالة تردد مستمرة في أغلب الأوقات.
كل ذلك من شأنه أن يصنع أشخاص متوجسون من اتخاذ قرارات بشأن حياتهم، أشخاص إما مغامرون دون تعقل، أو منسحبون على شاكلة الهروب والانهزام.
إن وجود مرجعية ثابتة للإنسان تمكنه من إسناد قرارته تجاه ما يتعرض له في حياته سواء اليومية أو على مستوى القرارات الكبرى.
وإن امتلاك أفكار معنوية سامية غير هشة تجعلنا نشعر بالثبات النفسي والفكري وتخفف عنا بشكل كبير الصدمات النفسية التي نمر بها في رحلة حياتنا على هذا الكوكب.
فعلى مستوى الأحداث الصغيرة اليومية كقرار (ماذا أتناول على الإفطار؟ أو مالذي ارتديه اليوم؟ أو هل أجيب على الهاتف أم لا... الى أخره) يحتاح المرء معايير راسخة تمكنه من اتخاذ القرار. لا يهم إن كان قراراً صائبا أو خاطئا من ناحية النتائج المادية في تلك اللحظة، لأن كلنا نتعلم بالتجارب، لكن يهم أن نشعر في نهاية اليوم أن ماقررت فعله في يومك لم يكن اعتباطاً ولم يكن ليخدم مصلحة ذاتية متمحورة حول منفعة شخصية فقط.
إن امتلاك أفكار كبرى حاكمة لدى أحدنا ليس شيئاً
بسيطاً ، يحتاج الأمر رحلة ذهنية مكثفة وربما يتطلب صدمة ما ليدرك الشخص منا ضرورة القيام بهذه الرحلة والتوقف لفترة، لتعريف العيش أو إيجاد معاني بديلة أكثر
ثباتاً للحياة
ربما يبدو ذلك رفاهية فكرية في عالم ديناميكي يتطلب منك أن تعمل بشكل غير منقطع لتتمكن من العيش، وهذا تماماً مايُروج له في عالمنا اليوم تحت تعظيم فكرة "الشيء العملي" وتتفيه" النظري". لكن في حقيقة الأمر أن يتصف المرء بالشخص "العملي" دون أن يمتلك تنظير أولي وإيجاد معنى لحياته يستند عليه في تحركاته، هو أشبه بروبوت جيد البرمجة.
لا يعني ذلك أيضاً أن يهيم المرء في عالم الأفكار ويتقوقع حول دائرة التنظير، فذلك هروباً وعزوفاً عن المثابرة بحجة الاعتراض على واقع اليوم. ولا أزعم أن لدي خلطة سحرية ستمكنا من حل معضلة اتخاذ القرارات والتشتت في عالمنا اليوم، فأنا كفرد أعيش في عصرنا اليوم، كان أصعب قرار أتخذه هو أن أحمل لهذا العالم أطفال يكبرون وتكبر معهم أزمات عالمنا.
لكنني أزعم أن انتباهنا لموطن المعضلة وتفكيك الأسباب الكامنة وراءها، وإدراك شريحة كبيرة من البشر لمشاكل اليوم لدى إنسان هذا العصر، قادر على الحد من تسارع تصاعد هذه الأزمات.
تعليقات
إرسال تعليق